صحيفة العالم الأن الإخبارية
هموم المواطن وظائف جديد كتاب العالم الآن حوارات الثقافة و الأدب مال وإقتصاد هذا اليوم في التاريخ نسخة خفيفة للموبايل الأربعاء 22 أكتوبر 2014

جديد المقالات

المقالات
كتاب العالم الآن
حقيقة العلاقة بين العبد وربه وبناء الإنسان
حقيقة العلاقة بين العبد وربه وبناء الإنسان
08-05-2013 02:48

حقيقة العلاقة بين العبد وربه وبناء الإنسان

لله في كل أمر حكمة يريد بها أن تحقق الهدف الذي أوجد لها هذا الأمر ، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ونعّمه بكل ما خلق في الحياة الدنيا وسخر له الأرض والسموات وما فيهن وجعله مستخلفاً فيهما يصدر القرار بإرادته في كل أمر يرى أنه يحقق له المنفعة الحياتية فيهما وجعل له العقل المدبر والمفكر ليصل إلى إكتشاف حاجاته التي يطور بها حياته ويسعد بها نفسه وكل ذلك بفضل من الله ونعمة .
ومع تحقق أمر الإيجاد والصناعة للإنسان ومساندته بكل ما يحتاج لبقاء إنسانيته وتناسلها وتطورها على الأرض ، لم يترك الله الإنسان دون رعاية ربانية تقوم على تعليمه وتربيته بكل القيم والأخلاق والسلوكيات التي تجعل حياته تسير في خط السواء والبعد عن الإنحراف والإضطراب الذي سيدمر بقاءه وإستمرار وجوده وتطوره ، فبعث الله سبحانه وتعالى مع كل قوم رسولاً يبشرهم ويعلمهم آياته وينذرهم عذابه الشديد وعقوبته ويرشدهم إلى طريق الصلاح للنفس والحياة كي تتحقق العدالة البشرية ويقوم الناس أمورهم بالقسط والعدل بعيداً عن ظلم بعضهم بعضا .

ما أمن إلا قليل من أتباع الرسل وأقوامهم وكثير منهم كانوا ظالمين لأنفسهم ، بربهم كافرون وللرسل مكذبون ، وبقي هذا الأمر يتسلسل مع تطور الحياة البشرية وربما كثير من الأقوام بُعث لها أكثر من رسول كي ينذرونهم لقاء ربهم وعقوبته، لكنهم كانو يصرون على الكفر واتباع الضلال والحنث العظيم، وما كان الله مهلك قوم أو معذبهم قبل أن يبعث لهم رسولاً من أنفسهم وبلسان قومه يعلمهم ويخبرهم بأمر الله سبحانه وتعالى .
ختمت السماء برسالة عالمية أنزلت على خاتم النبيين والمرسلين وخير الناس أجميعن محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله رحمة للعالمين ومبشراً ونذيرا للناس كافة يحمل دعوة الإسلام العالمية التي تصلح لكل زمان ومكان وتقيم العدل والسواء بين الناس، رسالة غيرت للناس مجرى حياتهم ونقلتهم من جور وظلم الطغاة إلى عدل ورحمة الإسلام ، ومن دناءة السلوك ورذائل الصفات إلى طهارة الأخلاق وسموها ، رفعت الفقير والمسكين والضعيف، ووضعت أسس الحياة البشرية الناجحة لتجعل لكل إنسان حق يتساوي به مع غيره من الناس مهما بلغت درجة رفعته ومكانته الإجتماعية فلا فرق بين أحد إلا بدرجة التقوى والإيمان فالكل سواء عند الله وضمن شريعته .
ومن أجمل ما جاءت به شريعة السماء الخاتمة أن وضعت أسس بناء الإنسان وعلاقته مع ربه التي ينطلق من خلالها في علاقاته مع نفسه ومع أهله ومع مجتمعه والبشرية جمعاء، وضعت له الأسس التي يستعين بها على أمور الحياة ويندفع نحو تطويرها وتحقيق خلافته في الأرض ، ففرض الله أركان الإسلام الخمسة التي تبدأ بعقيدة التوحيدة والإعتراف بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك لله تتحقق بصدق في قلب الإنسان لتندفع إلى سلوك وعمل يتبع ذلك الإيمان الحق، وانتهت تلك الأسس لحياة الإنسان بفريضة الحج لمن إستطاع إليه سبيلاً دون أن يَشق على الإنسان المؤمن ويُكلفه بما لا يطيق ويصبر عليه .
وضحت العبادات في الآيات القرأنية وفصلتها السنة النبوية من خلال ما تطبقة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ممارسات عملية علّم به صحابته ودونتها سنّته لتبقى تاريخاً متوارث للأجيال المسلمة في كل زمان ومكان محفوظة كحفظ كتاب الله العظيم من الزلل والتحريف إلى يوم الدين .
العبودية لله هو الهدف الحقيقي الذي بُعث له الإنسان على الأرض ليقوم بتحقيقه والسعي إليه حيث تنطلق من خلال التوحيد الخالص لله ثم الإلتزام بكل عبادة كما فُرضت من الله سبحانه وتعالى وبينها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والعبودية بمعناها الحقيقي لا تقوم فقط على حركات العبادة الظاهرية للإنسان بل هي أعمق وأشرف وأسمى من ذلك فهي تحقق في نفس الإنسان التربية الإلهية التي يجب أن ينطلق منها الإنسان في سعيه الحضاري في الحياة الدنيا وما العبودية الحركية لله إلا إنطلاق للفكر والإعتقاد الداخلي السليم الذي تمثل في هذا السلوك الحركي على الإنسان في عبوديته و شحن للطاقات الربانية التي تزيد من دوافع الإقبال والعطاء والبذل من أجل أن يتحقق مراد الله سبحانه وتعالى على هذا الأرض .
فالعبودية القائمة على الإعتقاد والفكر الرباني السليم توجد في نفس المؤمن وعياً لمعرفة حقيقة الوجود وحقيقة خلق الإنسان والعلاقة التي يجب أن تقوم بينه وبين خالقه، فيؤدي صلواته الخمس وما يتبعها من زيادة في النوافل تقرباً لله سبحانه وتعالى .
فوجدت محطات يومية في حياة الإنسان يختلي بها المؤمن مع ربه ويفر فيها من تعب وعنت الحياة الدنيا ليطلب الإعانه والراحة والتيسير من خالقة فيشكو له عنت الحياة وتعبها فيخرج من صلاته وقد وضع الله في قلبه مزيد من السكينة والراحة والطاقة التي تدفع به نحو العمل والجد لأجل تحقيق هدف وجوده الإنساني .
كما أن الإنسان المؤمن في صلاته يقبل على ربه متفكراً بما صدر منه من سلوكيات وتعاملات يحاسب بها نفسه أمام ربه ويعتذر عما أخطأ ويطلب من ربه أن يعينة على تغير ما في ذاته من سلوكيات لا ترضي الله ورسوله فتكون هذه الجلسات اليومية الصادقة بين العبد وربه كحوار واتصال ليس بينهما حجاب يتصل العبد بها مع ربه فتطير روحه إلى جنبات الطاعات لتتلقى الهداية الربانية والرحمة الإلهية لترتقي النفس إلى معالي القيم والسلوك والأخلاق فتخرج من وقد تحقق الهدف من فرض الله لهذه الطاعة على الإنسان في نفسه وسلوكه وتعامله في حياته الدنيا، وليس مجدر حركات جسدية لا تجد في النفس لها أثرا ولا في السوك تغيراً ونهيا ولا في الروح رقياً أو سموا .
العبودية الثانية لله سبحانه وتعالى المفروضة على العبد المؤمن والتي جمعت في ممارستها كل الأركان والأسس الإيمانية الأساسية في حياة المسلم هي عبودية الصيام لله سبحانه وتعالى ، فالصيام بمعناه هو حبس الجسد عن أن ينال حاجته من طعام وشراب وأي متاع ولذة ، وفي معناه السلوكي حبس للنفس عن أي سلوكيات وممارسات سلبية لا ترضي الله ورسوله والعمل على تدريبها بالصبر والمثابرة على اكتساب سلوكيات وممارسات إيجابية ترتقي بالنفس وتحسن من تصرفاتها وبنائها لتكون على خلق عظيم مع الناس كافة .
فالصيام عبادة تحتاج للصبر والأمانة فهي سر بين العبد وربه لا يطلع على حقيقة عبودية العبد لله إلا العبد وربه، وهي بعد عن كل شهوات الجسد والنفس ليُفرغها في طاعة دائمة من صلاة وصيام وزكاة وعمرة لبيت الله، فشهر الصيام مدرسة تربوية يتدرب فيها الإنسان على إعادة بناء الذات وتدبر أمرها وتحسين علاقتها بالله وبالخلق واكتشاف مكان الخلل والضعف والسوء ليخرج من هذه المدرسة وقد تخلص من كل سلبيات الذات واكتسب ما يُحسنها ويجعلها على تقوى من الله وعلاقة إيجابية مع المجتمع والعلاقات الإنسانية .
وهو تنظيم لحياة الفرد وتعويده على إنضباط الوقت حيث يُحبس الإنسان عن طعامه وحاجاته في وقت معين لا يسمح أن يتجاوزه إلا بأمر الله سبحانه وتعالى ليتحرر من ذلك الحبس والمنع عن الحاجات والإقبال عليها في وقت أيضاً حدده الله سبحانه وتعالى لا يسمح بتجاوزه وإلا وقع في بطلان الصيام أو الإثم من ورائه إن كان متعمداً ذلك .
وهو بناء وتقوية للعلاقة الإنسانية والإجتماعية حيث يتشارك الناس فيه الطاعات الجماعية من خلال صلاة الجماعة والإفطار الجماعي والزيارات المتبادلة بين الأهل والأقارب والأصدقاء وهو تكافل إجتماعي يسعى فيه الغني للسؤال عن الفقير ويبحث كل إنسان عمن حول من محتاج أو مسكين ليقدم له ما يستطيع من خير .
وهو مسابقة مسارعة لفعل الخيرات وتقديم العمل الصالح والتسامح بين الناس والتصافح حيث أن طمع المسلم في أن ينال شرف ذلك الشهر ونيل بركته يدفعه ليسابق نحو كل الخيرات التي يستطيع لها سبيلا ليحقق الفوز والنجاح .
ففي بداية شهر الصيام يقبل الإنسان على طاعة ربه بهمة عالية يرجو أن تحقق من ورائها مغفرة الله ورحمة له وأن يتجاوز عن كل أخطائه وآثامة في الحياة الدنيا، فيتحقق في بداية الشهر تلك الراحة الإيمانية التي تريح القلب وتشرح الصدر في ممارسة الإقبال على الله في العبودية الجماعية التي يمارسها المسلمون في هذا الشعر العظيم، ثم فيما يحدث للنفس من زيادة الوقار والإحساس بحوائج الآخرين وإلتماس ضعفهم فكل ذلك يرقق القلب ويعود على النفس البشرية بزيادة إقبال وعمل للخيرات والطاعات .
وفي أوسط الشهر تتحقق المغفرة من الله للعبد المؤمن الذي صبر واحتسب وأخلص مع ربه ليشعر أن هناك كشف للهم وإزاحة للغم وإنفراج وشرح في الصدر وكأن الروح تطير وتسمو في العلياء و متعة في العبادة والإستمرار بالقرب من الله وتزويد النفس بنفحات الإيمان والطاقات الروحانية التي أنعشت النفس وأحيت القلب تلك الخفة الرائعة التي تصاحب المؤمن حيت يشعر أن الدنيا قد اتسعت أمامه ولا يرى فيها إلا السعادات وبشائر الخير والنور وكل ذلك فضل من الله على عبده المؤمن ليزيده رفعة وقرباً إليه وتلذذاً في حب طاعته والقرب منه .
وفي أواخر الشهر الكريم لا بد أن تتجلا على العبد المؤمن وهو في لحظة السجود والبكاء والدعاء في الخلوات رحمة الله ومغفرته التي ختمت بمسك ذلك الشهر بالعطاء الرباني فيُعتق عبده المؤمن ويحرم جسده على النار ووردو عذابه وعقابه .
يا لها من نعمة ومنّه، ويا لها من جائزة عظمي يحظى بها العبد المؤمن في هذا الشهر الفضيل وهو من قال سبحانه وتعالى في محكم أياته ( فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
فإن كانت الزحزحة والبعد عن وجهة النار هو فوز للعبد المؤمن عند الله ودخول الجنه، فكيف بمن دخل في رحمة ربه ومغفرته وأعتقه من النيران وحُرم جسده على النار، ودخل في رعاية ربه ورحمة فيما بقي من حياته إن أستمر على إخلاص الطاعة والعمل لله .
ويا لها من ليلة عظيمة وضعها الله في خواتيم الشهر الفضيل و هي ليلة خير من ألف شهر تتنزل فيها ملائكة الرحمة تدعو للمؤمنين وتشفع لهم عند ربهم وترفع أعمالهم الصالحة ليكتب لهم مقادير الأمور لما بقي من حياتهم، هي " ليلة القدر " أنزل فيها القرآن على عبده محمد ليتلا إلى يوم الدين ويكون منهج الحياة القويم للناس كافة ففي تلك الليلة المباركة يعيش العبد المؤمن مع كلام ربه يتفقه في آياته وأحكامه ويتعلم من منهجه ليسوي به حياته ويرتقي به عند الله
ليلة السلام المنزل من الله على عبادة الصادقين المقبلين في لهث الدعاء وصدق الطلب والإخلاص في العطاء، ليلة ترتقي بها نفس المؤمن لتسود حياته نفسه المطمئنة بعد أن إنتصرت نفسه اللوامة على نفسه الأمارة بالسوء بالتدريب العملي المستمر منذ بداية الشهر لترتقي في نهاية الشهر إلى نفس أمنه مطمئنة بقربها من ربها و دخولها في رحمته وعفوه وغفرانه وأصبحت ممن نالت الفوز العظيم والجائزة الكبرى عند الله بعتقها من النيران ودخولها الجنة من أوسع أبوابها من غير عذاب ولا حساب .
ولا يكتفي العطاء بتلك الخواتيم من الله لعبده المؤمن بل يستمر بعد نهاية هذا الشهر ليعود أثر الطاعات على نفس المؤمن وسلوكه وعاداته بزيادة الرقي ورفعة الأخلاق والدرجات وهمة عالية وخفة نحو العمل والسعي لتحقيق مراد الله والحفاظ على ما نال وفاز من هداية الرحمن وكل ذلك جزاء من الله على ما صبر وسعى المؤمن طوال ذلك الشهر الفضيل ليبقى على وصال دائم مع ربه الذي دخل في رحمته ولزمته رعاية ربه و زيادة النعم والفضل عليه .
يجب أن يرتقي الإنسان المؤمن من عبوديته لربه وعلاقته به من مجرد عادات سلوكية وحركية فارغة من أي أثر قلبي وسلوكي وبعيده عن الدوافع الفكرية والإعتقادية الإيمانية السليمة لتصبح ممارسات يومية تقوم على متعة اللقاء بالله والتلذذ بالطاعة والحب إليه سبحانه ورجاء القرب منه وطلب رضوانه والشوق إلى لقاءه والوصال به والعلو في معالي الأمور في العمل والعبادة والمعاملات بين الناس أجميعين .

آمال أبو خديجة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 610


خدمات المحتوى


الأستاذة : أمال أبو خديجة أديبة وكاتبة صحفية
الأستاذة : أمال أبو خديجة أديبة وكاتبة صحفية

تقييم
10.00/10 (2 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة العالم الأن الإخبارية
الرئيسية |الأخبار |المقالات |الفيديو |الصور |البطاقات |الملفات |الجوال |الصوتيات |راسلنا | للأعلى